الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

117

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

الحقيقة ، كقوله : « لا تكرم الفسّاق » مع قوله : « لا بأس بإكرام زيد الفاسق » فكما يمكن رفع اليد عن العموم بالتخصيص ، كذلك يمكن رفع اليد عن ظهور النهي في الحرمة وحملها على الكراهة حتّى تجتمع مع عدم البأس . ولا يخفى أنّ نظيره في الفقه كثير ، فإنّه يتصوّر أيضاً فيما إذا كان العامّ بصيغة الأمر ، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور العامّ في العموم ورفع اليد عن ظهور هيئة الأمر في الوجوب وحملها على الاستحباب . والصحيح في هذه الموارد تقديم التخصيص على المجاز لأنّه أمر شائع معروف ، والأوامر الّتي تحمل على الاستحباب أو النواهي الّتي تحمل على الكراهة وإن كانت كثيرة إلّاأنّ تخصيص العامّ أكثر وأظهر . نعم ، قد يقدّم المجاز في هذه الموارد على التخصيص لبعض القرائن الخاصّة والضوابط الجزئيّة كما لا يخفى على من له إلمام بالمسائل الفقهيّة المناسبة للمقام . المقام الثاني : في التعارض الحقيقي لا يخفى أنّ التعارض إنّما يتصوّر فيما إذا كان كلّ واحد من الدليلين ظنّياً ، إمّا من ناحية السند ، أو الدلالة ، أو جهة الصدور ، وأمّا إذا كان أحدهما قطعياً من جميع الجهات والآخر ظنّياً من بعض الجهات فلا إشكال في تقديم الأوّل على الثاني ، ولا معنى لتعارضهما . فالتعارض بين الآيات القرآنية إنّما يتصوّر فيما إذا كانت كلّ واحدة من الآيتين المتعارضتين ظاهرة في الحكم ، أي كانت ظنّية الدلالة ، وهكذا في الخبرين المتواترين ومعقد الإجماعين المحصّلين ، فيتصوّر التعارض فيهما فيما إذا كان الخبر المتواتر ظاهراً في الحكم وكان للإجماع المحصّل معقد لفظي ظاهر في الحكم . ومن ذلك يعلم أنّه لا يتصوّر التعارض فيما إذا كان كلّ من الدليلين قطعياً من جميع الجهات ؛ لأنّه ينافي العلم بكذب أحدهما ، بل لا يمكن فرض وجود دليلين